ذكريات
كتبهارائد النجار ، في 8 أيلول 2007 الساعة: 18:12 م
ذكريات
من لا يرى الشمس لا يعرف معنى للحرية تلك الفكرة التي كانت تشغل بالي كثير ا واذكرها دائما في نقاشتي المتواصلة نحن الغرباء من الطلبة في المدينة الكبيرة المعروفة بروحها التجارية حلب الشهباء كما يحلو لأهلها ولوسائل الإعلام مناداتها .
الغربة عموما صعبة ولياليها الشتائية مليئة بالثقل والهموم وربما لأني أتعلق ببيتي كثيرا وبجوه يصعب علي دائما قضاء أول أيام الشتاء من السنة الدراسية في الغربة لهذا تشعر روحي بأنها في قفص من الظلمة فالغريب أعمى وإن كان بصير كما تقول أمي دوما .
وفي ظل تلك المشاعر الجياشة تكثر نقاشاتنا عن أهل المدن الكبيرة وأهل الأرياف والمدن الصغيرة حتى , وهذه الحوارات الكثيرة تكون بسبب الشعور بالنفي والعزلة أو ربما لافتقاد دفء المنزل واهتمام الأهل ولكنه أيضا ينبع فعل من رغبة صادقة في التعمق في هذا الافتراق في نمط الحياة ونمط القيم حتى بين العوالم المختلفة المتصادمة أساسا .
و أول ما كان يشعرني بالضيق تلك البيوت الصغيرة الضيقة التي يعيش بها الناس هنا , لقد تعودت النوم في غرف ريفية كبيرة يأتيها الهواء من كل صوب او أن اقضي ليالي الصيف على سطح المنزل أراقب النجوم ودرب التبان ونجم السهيل الذي يدلني على الجنوب الغالي على قلبي حتى يبلغ النوم من مبلغه فارقد في عالمه لاستيقظ على أشعة شمس حادة مبكرا اهرب منها لداخل المنزل .
وهذا كان لوحده دافع كبير للحديث عن اختلاف نمط الحياة وكانت الشمس تلك والنجوم الليلة تلك أمر مهم لي لأني لا اعرف كيف كنت استطيع العيش دون رؤية النجوم والسماء الفسيحة ا وان اشعر بالشمس التي أحبها رغم ضيق الناس من قيضها لأنها رمز الحب والحرية لي .
عندما بدئت سني دراستي هناك لفت انتباهي تلك الستائر التي توضع على شرفات المنازل او الزجاج الذي يوضع على الشرفة بدل من الوظيفة الأصلية للشرفة .
وتزداد غرابة شعوري عندما أرى نساء تلك البيوت ملفحات بالسواد معاطف سوداء طويلة وغطاء للوجه مزدوج يحول الإنسان لشخص مبهم غير محدد الهوية فعلا .
لم تعرف تلك النسوة التي كان الغالبية يظنون انهن يتمتعن ببيض نقي يخلب لب اهل الشرق دوما لست ادري فعلا لماذا ؟
واذكر دوما كلام السيدة عائشة بأن البياض نصف الحسن .
كان غطاء الوجه هذا يمنع الإنسان من معرفة طعم أشعة الشمس اللذيذة فعلا.
كنت استغرب كيف يحق لشخص منع شخص من تلك النعمة أن تلفح الشمس وجهه (فالميت فقط برائيي هو من لا يحظى بهذا الحق )
حواجز وحدود لكل شيء في حياة المدينة لم يكن من السهل علي التأقلم معه في البدايات .
كانت تلوح صور لطفولتي في خاطري دوما عن بيت جدي الذي قضيت فيه سني الأولى
كان بيت فسيح واسع جدا في أخر القرية مسكنة القابعة على نهر الفرات
حيث كان يتوضع على تلة منخفضة الارتفاع يليه حقول الحنطة الممتدة حتى نهر الفرات .
والأفق الأزرق هناك ممتد للانهاية لا يقطعه شي , ولطالما تجولت عيناي
في الأفق بدون هدف فقط تلذذ قوي وعميق بتلك الزرقة التي لا تنتهي
وقريتنا لم تكن خضراء مثل قرى الجبال بل كانت تربتها صفراء تلهبها الشمس بقوة إشعاعها الأبدي
وتلك الشمس الحارقة لم تجعلني يوما متذمرا أو متضايقا أبدا
كنت أحبها تلك الصفراء المشعة التي كانت تنير قلبي وعقلي وروحي دوما
كان كل شيء دافئ بفضلها مثل قلوبنا المليئة بالمحبة
وكان كل شيء واضح جدا أيضا بفضلها وهو مثل أفكارنا التي نقولها بصراحة وقوة لا مواربة و لا رياء و لا كذب
كان كل شيء رايته في طفولتي هو بيت جدي وما بعده من عالم
عالم فسيح واضح بفضل نور الشمس لا يختبئ هناك شيء فقط بعض الأرانب البرية التي كانت تألف حقول الحنطة حيث تختبئ هناك لتنام أحيانا وكنا نحن نفاجئها محاولين بفشل كامل الفشل أن نمسكها
سهول منبسطة يتخللها طرق كلسيه صلبة بيضاء اللون يقال أن سلطان ما من سلاطين بني عثمان يوما مر من هنا فسموه الناس طريق السلطان
هناك تعلمت ركوب الدرجة وسقطت كثير و ونهضت لعبت كرة القدم مع رفقة المدرسة وذهبت للرعي هناك بأغنامنا قليلة العدد تمددت هناك طويلا فوق الحصى و أنا أراقب كتل الغيوم البيضاء تعبر من فوقي في زرقة سماء لا يعكرها شيء .
و كانت أيضا هناك أسراب الطيور المهاجرة التي تمر من بلادنا هناك في فصل الهجرة الموسمي حيث تمتلئ سماء الحقول تلك بطائر الإوز أو البط أو اللقلق
أو بطائر القطا الذي ربما لا يعرفه الكثيرون وهو طائر صغير وديع رمادي اللون لا يطير أبدا بشكل فردي بل بشكل جماعي ولهذا السبب يملى أغنيانا العذبة عن لوعة الفراق "طير القطا تطوي السما فرداوي " وهي رمز للفرقة والبعاد
وفي فصل الربيع تمتلئ سماء القرية بطائر السنونو (الخطاف) اسود اللون وفي يوم من سني طفولتي بنا زوج منها عشه في كوخ طيني لنا لا نسكنه وبقي هذا الطائر يزورنا لمدة غير قليلة في كل موسم كنت استمتع بمراقبته و صغاره وكنت انتظره في كل عام . بفارغ الصبر .
وكنت احسده حتى الآن لأنه يطوي تلك المسافات البعيدة .
اذكر صور كثيرة من طفولتي عن رمضان الذي كان يجيء وقتها في شهور الحصاد (وهو الآن يعود بدورته لتلك الفترة في هذه السنين) حيث كنا ننتظر الرعاة الذين يتأخرون دائما حتى الغياب ويؤذن المؤذن وهم قرابة بيتنا كانت أمي ترسلنا ومعنا بعض من الطعام و الشراب واللبن حتى يفطرون وبعدها يستمروا في طريقهم لبيوته وبيوت أصحاب الأغنام
وأذكر منهم امرأة عجوز ربما كانت تبلغ الثمانين من عمرها تضع نظارات قديمة وكبيرة امرأة لم يرزقها الله أولاد وبقيت تعيش مع أبناء زوجها بعد وفاته
كنا نسميها حبابة (جدتي بلهجتنا)الوردانية (نسبة لقبيلتها) وكانت تتأخر أكثر الكل وكنت أصر و امي تصر علي أيضا أن أنتظرها لأنها كانت ميقات لإفطاري حتى لو بعد الإفطار كانت تدعو لنا وكنت استمتع بسعاد عينيها بأن يقدم لها طفل صغير مثلي الإفطار وبان يخاطبها جدتي تفضلي .
رحمها الله واسكنها فسيح جنانه .
سأخبركم بشيء لم نكن نفعل هذا كله من أجل الأجر أو الجنة أو الثواب فعلا
كنت نستمتع بتلك الابتسامة التي يقابلونا بها , كنا نشعر بحزن غريب بأن لا تكون على الإفطار في بيتك كنا نخدم أنفسنا بذلك فعلا .
كل تلك الصور تلوح بذاكرتي عن أيامي البعيدة عن طفولتي عن تلك المساحات التي لا يحدها شيء أبدا ولم اعد استطيع الذهاب إليها إلا نادرا
اعشقها تلك الصفراء الحادة , اعشقها تلك المساحات التي لا تنتهي أبدا
لأنها جعلت روحي مثلها لا يحدها شيء أبدا
والان انهي تدويني هذا الذي أتمنى أن لا يثقل عليكم , عن طفولتي التي تعيش بقلبي دوما وأنا الآن اقضي أيامي في مدينة حلب أعاني ما أعانيه دوما
دمتم بخير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أفكار عصفور كناريا, طفولتي | السمات:أفكار عصفور كناريا, طفولتي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























سبتمبر 8th, 2007 at 8 سبتمبر 2007 8:34 م
أخي رائد :
هنيئا لك بهذه الطفولة .. لا بد للإنسان أحيانا أن يهرب من جو المدينة المعج بالسكان و الملوثات سواء البشرية و الطبيعية منها ، تعرف عندما أشعر بالملل و الضيق من جو المدينة ، أذهب لقضاء لو سويعات في مزرعتنا لشم نسمات الهواء المنعشة ، فأشكر الله على هذه النعم التي حباها لنا في هذا الكون … أما حلب فأعانك الله عليها في رمضان في تعج كثيرا بالسكان في هذا الشهر ..
دمت بخير .
سبتمبر 9th, 2007 at 9 سبتمبر 2007 1:32 م
رائد مسائك عطر
اشكر لك زيارتك التي اعتز بها .
في الحقيقة هده المقالة اعجبتني كثيرا لا ادري التمس فيها احساس جميل هي الدكريات التي كلما كتبنا عنها فلن نعطي لها مكانتها فهي لا تنتهي هو احساس جميل يترك لك انطباع بداخلك عندما تنتهي من كتابته و هو على العموم تفويض النفس التي سبق و ان تطرقت اليها اشكرك على ما تفضلت به جعلتني ادخل عالم من التفويض
ساقوم بانتخاب في التوب لا اعرف كيف لكن ساحاول .
اوقات سعيدة
سبتمبر 14th, 2007 at 14 سبتمبر 2007 7:21 م
رائد
كل عام وأنت بألف خير وصحة وسلام
أعدتني للماضي وذكرتني بأسعد أيام حياتي التي أظلمت برحيل أمي
تعودت مثلك على الطبيعة البكر كما خلقها الله
والآن لا أجد غير الكتل الخرسانة حولي سواء في البنايات أو في قلوب البشر
أمنياتي لك بالتوفيق والسعادة