في بدايتي مع القراءة وأنا في أول الابتدائية وقعت يدي على رواية مذهلة وساحرة حتى الآن على الأقل لي
وهي راوية مكسيم غوركي " الأم " وقد كانت تلك الرواية الثقيلة بداية حكايتي مع القراءة وقد تركت في نفسي أثار عميقة مازالت حتى الآن محفورة في ذهني
وتلك المشاعر المخزونة في ذاكرتي تعود للحياة كلما ذكرت أمامي كلمة الأم أو غوركي
بدئت قصة غوركي في وصف لجو مثقل ورطب وغيوم مسودة في أحدى ضواحي موسكو وهي ليست إلا مدينة عمالية من تلك الأنواع التي انتشرت في أوربا بداية الثورة الصناعية والتي كانت تنشى بجانب المعامل الكبرى وأغلب قاطنيها من الطبقة العمالية
غوركي يبدأ بجرنا في سلسلة من الأفكار التي تفضي لوصف ما لتلك الحالة المنضغطة لتجمع خلقتها القوة و الفقر .
البشر هنا جاءوا لطلب الرزق فبنوا مجتمعا فقيرا تسوده حالة من الغضب
وطبعا يمكنك أن تتذكر تلك الحالة إذا اشجت نظرك لمدن الصفيح أو لمخيمات الفلسطينيين أو الأفغان ......... وطبعا كل تلك التجمعات يجمعها نفس الطابع من أنها أنشئت بالإكراه ويجمعها أيضا ضبابية المصير .
مازلت أعمل في نفس المكان في تلك الشركة العالمية للمنظفات, ومازالت الحكاوي تنسج في عالم هذه الشركة الغريب فعلا أو لنقل المضغوط فعلا ..
في بداية عملي هناك شعرت بأني أعيد قراءة تلك الرواية بشكل أو بأخر
الناس هنا يحملون قدر من الغضب يشبع غضب والد بافل الذي كان يضرب زوجته وولده ويقضي وقته في السكر .
كان هناك كم من التعب يملئ قلوب أبطال تلك الرواية وهنا أيضا كمية من التعب تصادفك في كل جهة
يتقاضى العامل بحدود نصف دولار للساعة وهو أيضا يعمل بشكل مياوم
فإذا توقف المعمل ليوم توقف رزقه
ونحن نعمل في قسم ضبط الجودة Quality Control ونحن من الطبقة الأعلى في المعمل وكانت تلك المفارقة لشخص ينتمي لعائلة عمالية بشكل كامل
ويحمل أفكار يسارية في رأسه ليدخل حياة العمل كموظف من الطبقة الأعلى
وهذا كان يعطيك السلطة والمسؤولية ولكني عموما مازلت أحوال حل تلك الحالة المتعبة لي بأن أحاول أن أختار المسؤولية وأن أتجاوز السلطة .
العمل في تلك المعامل يجري بطريقة تسمى الطريقة المستمرة وهو تعبير تكنولوجي بحت
معناه الملموس بأننا نعمل بدون توقف ليلا ونهارا
ويعمل العمال على مراكز مختلفة بشكل ورديات ونحن أيضا
هناك عدة طوابق ويتم إنتاج البودرة المنظفة في مفاعلات خاصة وبعدها تأخذ لأبراج البخ للتجفيف ومن ثم تخلط البودرة الجافة البيضاء تلك بمواد الإضافة Post addition
من ثم ينتهي الأمر بها في عربيات ثقيلة ذات دواليب لتنقل بين الآلات التعبئة والتغليف
Packaging
ويعمل هناك عمال على قسم ولكل مهمة
وكان هناك عامل ذو حول واضح في عينيه وجسد ضخم وهمة عمل لا تنتهي يذكرك بأي عمال شارك بحفر قناة السويس أو شارك أي فرعون في بناء الأهرام
يذكرك بأي فلاح عربي في زمان مكان ممن يتعبون ولا يكفون عن التعب طوال حياتهم الطويلة
واسمه حميد يومها كانت عملية البوست سريعة جدا و(ذاك حصل قبل وصولي بزمن )
وكان حميد يعمل على جر العربيات وكان في وردية الليل وعلى ما يبدو أن التعب هده
فذهب لأعلى الطوابق وقام برمي قطعة من الحديد أوقفت المعمل كله
سألته فابتسم فقال بأنه لم يفعلها
و ما كان يشغل بالي لحظتها بأي فكرة كان يفكر ليعمل هذا العمل الجريء والخطير
فرد لي عامل أخر بان المتعب يعمل أي شي عندما اتعب اعمل أي شيء ليتوقف كل هذا يخطر ببالي أفكار كثيرة
وكلمة تعب هناك تعني الإعياء الشديد فهو يجر كمية من العربيات ذات الوزن 500 كغ أي انه يسحب بحدود 5 طن كل ساعة وعليكم الحساب
فكرة أن تكون متبعا لهذا القدر من التعب أدهشتني
ووضعت أمامي تساءل جديد عن الثورة هل هي بحاجة لهذا القدر من التعب ؟ لتحدث
حميد كان خائفا ولكني كنت معجبا بتلك الفعلة أكثر من كوني رافضا لها
كانت تمثل جزء من عالم ثائر أنتمي أو أتمنى أن انتمي له
وربما حميد لم يكن يريد إلا الراحة ولم يفكر بالثورة ولكني كالعادة أمارس لعبة المعرفة
أحاول ربط أشياء ببعضها
ولكني على الأقل خرجت بفكر جديدة علي
الثورة لأني متعب والثورة لأجل الراحة
طبعا نحن من جلس على المكاتب النظيفة لا نعرف شي عن كل هذا
دمتم بخير
كتبها رائد النجار في 10:05 مساءً ::
سلام الله عليكم
الحبيب رائد النجار
اسعد الله اوقانكم
مررت لالقاء التحايا والاطمئنان عنكم
دام الاشراق والنقاء
محبتي
الشاعر والكاتب الفلسطيني / منذر بهاني
عزيزي منذر بهائي اهلا بك
اشكر لك هذا المرور الكريم
نصر الله كل المظلومين
دمت بخير
الاسم: رائد النجار


