كان الجو رطبا هذا اليوم , والغيوم السوداء مثقلة بمطر لا يأتي و مازال الفلاحون ينتظرونه بفارغ صبرا لا ينفذ .
وفي هذا اليوم مثل كل يوم اقطع فيه الطريق بين البلدة التي أقطنها
مسكنة التي تبعد عن مدينتي التي ادرس واعمل فيها حلب أكثر من 90 كم وهذه الرحلة أصبحت بالنسبة لي أمرا اعتياديا وأنا الذي تعودت قطع المسافات إلى اللاشيء و أحيانا قليلة إلى شيء ما ….
وصلت إلى جامعتي في حركة اعتيادية أكررها منذ سنوات , أتنقل بين
حافلات النقل العام لأصل بعدها إلى ما يعرف بساحة الجماعة تلك المنطقة المزدحمة والمائلة على عكس كل الساحات فهي تفصل بين تلة عالية بنيت عليها جامعتنا الموقرة ومدينة تقع في أسفل الوادي وربما كان
هذا قدر الجامعة من المدينة وقدر المدينة من الجامعة فواصل تتعب الأقدام وتعزل العقول و والمسافة الفاصلة بينهما توحي بأن بدور للعلم غير موجود
في المجتمع وتكلس للعقول غير مهتم بقضايا الناس في ارض الواقع ….
كلما اعبر هذه الساحة للدخول إلى باب جامعة حلب أتذكر مقولة
د . علي حرب الكاتب اللبناني المعروف بأن الجامعة في الغرب تساهم في حل مشاكل المجتمع في حين أنها عندنا هي مشكلة بحد ذاتها بحاجة للحل , بعد عبور البوابات لداخل الجامعة تأتيك باحة متوسطة الحجم لا تعرف الهدوء حتى المساء صعودا وهبوطا وكان حظي من الجامعات أن تكون كليتي في أعلى مكان في تلك التلة وعلي صعود أكثر من 90 درجة للوصول إليها , ولست أدري هل أنا من محبي الارتقاء إلى
المراقي الصعبة أو من محبي العذاب و إتعاب نفسي كما قالت لي هدوش اليوم ….ولكن لطالما جذبتني رحلة السيد المسيح وهو يرتقي الجلجة إلى عذابه المعروف في طريق الأشواك الذي نمر بها دائما
ويبدو أن إعجاب الصغير بهذه القصة سيترك حياته صورة لها صعودا و ألآلام
و أفكار ……….
"صعب هو المرقى إلى الجلجة والصخر يا سيزيف ما أثقله "
* بدر شاكر السياب
وسيزيف هذا هو من يرفع صخرة إلى أعلى تلة تسقط دائما وهي من أساطير اليونان .
وبدون أي شعور يذكر وبفعل التكرار الذي فعلا يعلم ….. أنتم تعلمون
بفعل التكرار أصعد تلك الدرجات للوصول إلى باحة كليتنا في هذا اليوم
كان تسجيل أوراقي مثل كل سنة .
أنهيت أوراقي من دائرة الامتحانات وهي تقع في أخر أحشاء مبنى الكلية
ذات البناء الطولي الشكل ووجودها هنا هو ليس رمز لحصانة وسرية تلك الدائرة التي يطبخ فيها مستقبلا باهر لجيل سيبني حسب ما أعرف وطنا ما, وبعدها كان علي الاتجاه إلى خارج المبنى للذهاب إلى دائرة الشؤون حيث سأكمل الأوراق هناك والشؤون هي عبارة حائط كبير من القرميد تتوسطه ثلاث كوى صغيرة تتسع ليد واحدة ومحمية بشبلك حديدي وما عليك إلا أن تطرق الشباك المغلق وتمد يدك في قلب هذا الشبك لتعطي الأوراق وتنتقل بعدها إلى الكوة الثانية وتعدو للأولى بعدها وهكذا وعلى فكرة أنا أنسى ترتيبها هذه الإجراءات كل سنة ….
وكان المنظر بديعا أكثر من مئة طالب وطالبة يقفون فوق بعضهم منذ ساعة ينتظرون فتح الشباك المقفل لوضع الأوراق .
لم أستطع الاقتراب لماذا لأني لا أحب أن أدوس على أحد ما أو ادفعه للوصول المحموم ليد موظفة لا تنظر في وجهي أو حتى تفكر بمعاملتي باحترام و أنا لا أحب أن أدوس أو أدفع أحد لأني لا أحب أن يدوسني أحد ما
وعامل الناس كما تحب أن تعامل وإن دخلت كان على احدهم دف
المزيد